سبق وأن تطرقت في مقال سابق لنظرة الأهل إلى أطفالهم من حيث حركتهم وسكونهم وكيف يمكن إدراج منهاج تنشئة تربوية، وعلى ضوء ذلك كان من الواجب أيضا أن نتطرق إلى مسالة ترميم الشخصية من جراء بعض الأخطاء التربوية التي تترتب على بعض أنماط المناهج التربوية غير المدروسة المبنية أساساً على عدم فهم الطفل ومتطلباته العمرية حسب كل مرحلة، وسآخد اليوم دراسة حالة وإعطاء مجموعة من التوجيهات على أساسها لإعادة بناء شخصية الإنسان ذاته من جديد حتى لا يقبع حبيس أخطاء تربية ماضية.
إليكم مشكلة ن.س والتي تقول : أنا الآن شابة أعاني من مشاكل نفسية وسلوكية تمثل مضاعفات ما حصل لي وأنا صغيرة؛ إذ أنني أمضيت 05 سنوات الأولى في بيت جدتي حيث فرضت علي البقاء في غرفتي وعدم الخروج للشارع وعدم اللعب مع الأطفال ومخاطلتهم، والنتيجة: أنا مضطربة السلوك، لا أتواصل مع أقاربي، أخاف من الواقع، لا أملك الجرأة والدافعية للإتصال، مهزوزة الشخصية …..
فلننظر جيدا لهذه الحالة فمن الواضح أنها حرمت في الخمس سنين الأولى من حياتها من أهم عاملين مطلوبين أساساً في أي تربية من أجل تنشئة إجتماعية صحيحة تنتج بالتالي شخصية سليمة البناء وقوية، وهادين العاملين هما:
1 ـ تكوين الصداقات مع الأقران والإحتكاك بالواقع
2 ـ تفريغ واستغلال الطاقة الحركية لبناء ذكاء حسي ـ حركي متوقد
فمن البديهي أن ينتج عن هذا البناء التربوي المختل مجموعة من المضاعفات على شخصية الطفل ـ كما ذكرتها الحالة ـ والتي يمكن اختصارها في الدلالات النفسية التالية:
ـ إنتاج شخصية مصدودة الهدف: أي شخصية لا تعرف عموما ما تريد ولا كيف تحصل على حياة إجتماعية ملؤها النشاط والإنتاجية، ذلك أنها لم تتعلم يوما منهجيات اتخاذ القرارت باعتبارها لم تعرف المخالطة مع الأقران والتعلم التدريجي من خلال التدرج في التلقي بالاحتكاك مع العالم الخارجي.
ـ الفراغ الحسي الحركي: وتشير هذه النقطة إلى نوع من الفراغ الذي تشعر به هذه الشخصية من جراء فقدانها لأسس التعلم من خلال طريقة التعلم من الخطأ لإدراك الصواب إذ أن مفهومي الخطأ والصواب لم يتكرسا لدى الطفل الذي عانى هذا الحصار السلوكي على شخصيته، وبالتالي لم يحظى بفرصة النشاط اللازم لإخضاعه لتقييم الخطأ والصواب وعلى إثره حيازة السلوك الصحيح وإنتاج منطومة قيم تسير حياته فيما بعد.
ـ الحصول على فراغ جزئي في خارطة الحياة: يعد التذكر والاستذكار سلوكين نفسيين وذهنيين يختص بهما الإنسان عن غيره من الكائنات، لكن الشخص الذي عانى من فراغ في نموه فإنه يقف بذكريات فقيرة في المرحلة التي حرم فيها من الحصول على متطلبات نموه بشكل صحيح، إذ يجد نفسه بحصيلة ضئيلة لما يتحدث غيره عن ذكرياتهم ونشاطاتهم الماضية، مما يولد لديه أسف كبير قد يصحبه فترات من الكآبة. إضافة إلى أن الحالة التي بين ايدينا تقول أنها لا تتواصل مع أقاربها وتخاف من الواقع، وما هذا إلا نتيجة مباشرة لفقدان التسلسل في الإنتاج السلوكي في الحياة والذي سببته الخمس سنوات الأولى من حياتها بالكيفية التي ذكرتها.
وعلى ضوء ما تقدم نقول أن بعض بقايا التربية السلبية تبقى بل وتأثر على سيروروة حياة الإنسان، وتنتج ـ كما في الحالة المدروسة ـ سلوكيات تتسم عموما يالإحباط والعجز أحيانا؛ غير أن الجانب المبادر في الإنسان يعطيه فرصة كبيرة جداً لتغيير هذه الآثار وإعادة بناء شخصية أكثر تماسكاً وقوة عن ذي قبل، وقد كنت شخصيا شاهداً على تغير العديد من الحالات ذات الآثار التربوية السلبية وأنتج أصحا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |